17 يناير, 2012

مشروع المكتبات التعاونية كما أراه

هذه التدوينة اعتبرها وجهة نظر خاصة لبرنامج المكتبات التعاونية كما برمجها الأخ سامي الطحاوي وهو رأي قابل للخطأ والتعديل مثله مثل اي عمل إنساني.
******
شدني الموضوع جدا لأنني مررت بنفس التجربة منذ سنوات قليلة مع اختلاف في الطريقة نوعا ما، وقبل أن اقدم رؤيتي للمشروع أحب أن ألاحظ خطأ ما ذهبت اليه في أننا حاليا نحتاج لمفاهيم جديدة ثورية تغير النظرة القديمة للمشروع، فالثورة حدثت ولكن لا تطالب بحدوث انقلاب في العقلية فالثورة تحدث في شهر ولكن العقلية تتطلب سنوات لتتغير وبالتالي لا تتفاءل كثيرا بنتيجة الثورة حاليا فقد يكون الامر عكس ما كنت تتصوره اطلاقا، الأرقام التي قدمتها حول القراءة الخاصة بالعرب تعطيك صورة تقريبية للحالة العامة للمطالعة ولذلك أتصور أن طريقة تكوين المكتبة ستفشل بالشكل الذي قدمته في المشروع، الحالة التي أعقبت الثورة خلقت حالة من حب البلد وحب عمل الخير لدى الكثيرين وهذا ليس وليد اللحظة الثورية الحالية ولكن الثورة ساهمت في الدفع وليس في ولادة الفكرة أساسا فهي موجودة منذ زمن بعيد ولكن الحالة الآن تشجع على نشرها.
أجمل وصف للحالة في جملتك التالية: "صحيح أننا في مجتمع لا يقدر هذا الأمر كثيراً، أو لنقل أنه يقدره نظرياً أكثر من تفاعله معه عملياً"، هذه تعطيك حالة مشروعك الخيري بعد مدة من بدايته ففي البداية ستجد العشرات معك لأنهم مدفوعون كلهم بحب الخير ولكن مع الوقت سيتضاءل العدد لتجد نفسك وحدك، ليس الأمر لأنهم سيؤون ولكن تلك طبيعة بشرية وهم ليسوا بقدر عزيمتك وبعد سنة أو سنتين ستصل أنت نفسك لنفس الحالة مع فارق بسيط وجذاب ومقنع أو نحاول أن يكون مقنعا وهذا الفارق يتمثل في ايمانك أنك أديت واجبك نحو أمتك وكفى الله المؤمنين شر القتال، تلاحظ أني أوجه الكلام لك ولكني في الحقيقة أتكلم عن نفسي ، وليكون كلامي عمليا أكثر سأقدم لك تجربتي وبعدها أقدم لك وجهة نظري العملية حول المشروع.
مشروعي بدأته في قريتي وقد يكون الامر مختلفا لو كنت في مدينة، وحسب ما أرى فالقرى العربية تتشابه كثيرا وبالتالي فقد تكون التجربة نافعة لمن يريد تركيز المشروع في قرية، اتفقت مع صديقين على بعث المشروع تحت اسم – نادي الاعلامية والكتاب- ويتمثل هدفه الأساسي في توفير زاد علمي هام في تعلم الاعلامية والانترنت مع توفير مكتبة عامة رائعة موجهة لكل أهالي قريتي، الطريقة اعتمدت على التبرع المالي والعيني وكل حسب قدرته ولكن العمود الفقري للمشروع كان منحصرا في أنا والصديقين فقد التزمنا بالتبرع شهريا بمبلغ 10 دينار تونسي أي ما يعادل 7 او 8 دولارات، هل تصدق بدأنا بـ6 عناوين فقط ووصل العدد لأكثر من 600 عنوان،

التمويل المالي
كان كما يلي:
- 30 دينار تبرعي الشخصي مع الصديقين
- 50 مليم عن كل كتاب يستعيره المشترك، سعر رمزي جدا فقطعة الشوكولا الصغيرة قيمتها 100 مليم
- تبرع من الاهالي وهذا كان في البداية فقط ففي البداية تشجعوا وبعدها نام الجميع نوم أصحاب الكهف.
المدخول الجملي للأعضاء وأغلبهم يستعير كتابين يساوي (50).(2).(40) = 4000 مي أي 4 دينارات أي 16 دينار شهريا مع 30 ، الجملة 46 دينار،(40: عدد المشتركين تقريبا فالعدد كان في حدود 70 في البداية ولكن العدد تضاءل بعدها).

كنت أشتري أسبوعيا كل مجلات الأطفال التي تصدر وما أجده من كتب مميزة وأصبحت المكتبة غنية بموسوعات علمية رائعة جدا لا توجد حتى في مكتبات الدولة الرسمية.

عمل المكتبة:
يوم الاحد هو يوم العطلة الرسمية لي وللتلاميذ، أخصص ساعة أو ساعة ونصف فقط مساء حيث يأتي الأطفال ويعيدون الكتب ويأخذوا غيرها ، تلاحظ أني استعملت كلمة الأطفال لأن التجربة أثبتت لي أن من يطالع هم الأطفال فقط فالكبار كان عددهم محدودا جدا جدا ولا يكاد يذكر وانقرضوا بعد ذلك مما جعلني أتوجه كليا لكتب الأطفال فقط

الخاتمة

بعد زمن ليس طويلا انسحب أحد الصديقين وفتر الآخر، وصمدت أنا حبا في عشرات الأطفال الذين يقبلون مساء كل أحد لاستعارة الكتب، وصل حبي لمشروعي الرائع هذا لشراء كتب موسوعية غالية الثمن بالتقسيط وبنقص الموارد سددتها وحدي وأنا فرح بذلك ولست نادما، كل صدقة أعطيها لوجه الله أعطيها للنادي وأنا مقتنع بذلك أشد الاقتناع، الكتب الهامة والباهضة ننسخها في 5 نسخ ونضعها ضمن المكتبة والنتيجة التي اكتشفتها أنه لم يطالعها أحد، فكما قلت لك نسبة 99 في المائة من المشتركين أطفال وهذه الكتب المنسوخة موجهة للكبار ...
بعد مدة بدأ شابان مساعدتي وواصلا الامر معي حتى تعذر عليهما لظروف خاصة المواصلة، ومع تواصل مهمة المكتبة الموكولة إلي كليا بدأ الفتور يصيبني أيضا، فالحلم جميلا جدا نظريا ولكنه صعب تطبيقيا رغم بساطة العملية كما يبدو للجميع، كان مكان النشاط مقرا بناه الاهالي واستغله الحزب الحاكم في عقد اجتماعاته ثم تحول بالتوازي ليكون قسما يتبع المدرسة لأن المدرسة أصبحت تشكو مشكل توفر أقسام صالحة للتدريس، كنت قبل هذا أوقفت عمل المكتبة لمزيد تأطيرها وبرمجة عملها بشكل أفضل ولكن المدة طالت كثيرا خصوصا بعد دخول المقر مرحلة تدريس التلاميذ مما حدد من حرية التحرك الا ضمن العطل التلمذية، فكرت كثيرا في نقل كل الكتب لأحفظها في منزلي لأني مقتنع أني أكثر شخص يمكنه المحافظة عليها ولكني تراجعت لأن المكتبة هي ملك عام رغم كل دوري فيها، وعندما قامت الثورة في تونس كان هنالك الكثير من الانفلاتات ونجحت الثورة وهرب المخلوع ولكن وفي الوقت الضائع قام أحد أذيال بن علي بإحراق المكتبة في وقت متأخر من ليلة ظلماء من ليالي قريتي الهادئة، والنتيجة احتراق اكثر من 600 عنوان وسقوط جزء من سقف المقر، وباحتراقها انتهى حلمي الخاص بمشروع المكتبة التعاونية، والى الآن أحتار في تفكير من قام بحرقها، كيف سيجيب عن سؤال المولى سبحانه في اهدار مجهود العشرات وحرمان عشرات الاطفال من منبع علمي هم محرومون منه وخصوصا أنه كان بيدقا لسادته أمروه فنفذ ...
ومن هذه التجربة البسيطة أرى في مشروعك ما يلي حسب ما سطرته:
" مشروع المكتبة التعاونية يشتري لك مئات وربما آلاف الكتب بكتابين فقط" ... هذا ليس صحيحا فكم ستجد من مشترك؟ وبكتابين فقط، عملية الاشتراك هذه ستجعل العدد محدودا جدا جد.ا
"وكترتيب جاذب للمساهمين و للكتب و ليس طارداً لهم، أقترح أن نعفي المشترك من المساءلة إذا أهمل في الكتاب الذي استعاره فأضاعه أو أتلفه": هذا خطأ آخر، فليس كل مستعير للكتب محبا للكتب أو لنقل واعيا بأهميتها، المساءلة ضرورية جدا فأنت في النهاية تنشد تكوين مكتبة وليس أعضاء وبهذا البند ستجد حالات كبيرة تندم بعدها على ادراج هذاالأمر، هل تصدق وجدت بعض كتب مشروعي في صندوق القمامة، فعقليتنا تعودت أن المجاني لا يساوي شيئا، ومرة قالت لي سيدة "الكتب أعطتها الحكومة فلماذا تغضب لو مزقت"، والحكومة لم تقدم لنا فلسا واحدا.
" لكننا لا نتبع أحداً و لا تلزمنا قوانينهم بل نضع من الترتيبات و القواعد ما يخدم المشروع و ينميه و يشجع الناس بكل الطرق المشروعة على القراءة": هذه القوانين لم تأتي اعتباطا، بل بتجربة سنين طوال، هذه القوانين وضعت ليس للتقييد ولكن للتنظيم، ومن لا يحافظ على الكتاب ليس أهلا ليكون عضوا في المكتبة، وبندك الذي تراه رائعا سيخلق قراء لا مبالين وسوف يفسدون المشروع ولا ينمونه.
"أما أمناء المكتبة فهم الأشخاص الذين سيتبنون هذه الفكرة في منطقتهم": هذا هو العمود الفقري للمكتبة، العدد يجب أن يكون مقبولا ومن ذوي الالتزام القوي بالكلمة، فالأماني رائعة ولكن من يصبر لتتحقق، لو وجدت هذه النوعية فسوف ينجح المشروع أما كثرة الكلام فالناس كلها تستطيع الكلام خصوصا بعد الثورة ، فالكل يحب الخير والكل يفهم السياسة والكل أسودا بعد أن كانوا في زمن بن علي أو مبارك فئرانا.
حلم المكتبة رائع ولكننا يا صديقي لسنا في ألمانيا حيث شاهدت مكتبات تعاونية في الشارع، دون أمين أو رقابة، كتب قديمة أو جديدة يضعها أصحابها في خزائن كبرى، تأتي وتأخذ كتاب وترجعه بعد مطالعته، لم تكسر ولم تحرق ولم يسرقها حتى اللصوص، أما لدينا فسوف يشجعك الجميع ويصفقون لك ولكن الأغلبية ستختفي بعد مدة فالممارسة ليست كالفعل أخي مهما كانت النوايا طيبة، مكتبة تعاونية هي مؤسسة صغيرة ستكبر وتتطلب وقوفا جادا لإدارتها، في البداية العدد صغير كتبا وقراء، ولكن عندما تكبر سيصبح الحال مملا خصوصا لو كان الحمل على واحد فقط، أنت جمعت من ست أصدقاء، هؤلاء أصدقاء نعم ولكني أجزم أن أغلبهم تشجع لك وليس للمشروع في حد ذاته ولو جاء غيرك بالفكرة لما كان هنالك نفس الحماس، قد يبدو كلامي محبطا ولكني أتكلم عن تجربة قد لا تتكرر عندكم، لو كونت مكتبة للمجلات الجنسية قد تجد المئات من التبرعات أما مكتبة علمية وثقافية جادة فالأمر يتطلب صبرا وعملا جيدا أحييك عليه لو واصلته .
كونت مرة مكتبة عن بعد مع بعض الاشخاص لا يعرف أحدنا الآخر، فقط اعلان بصحيفة، تبادل الكتب بالمراسلة، كل منا لديه عناوين المجموعة وطابع البريد هو التكلفة الوحيدة للعملية، وتواصلت العملية لسنتين تبادلنا خلالها عشرات العناوين، ألا ترى معي أن هذه أسهل من الاولى.
أهم النقاط التي أراها لتنجح المكتبة التعاونية:
- وجود مجموعة جيدة من الأمناء وأقصد بالجيدة أصحاب الحركية الكبيرة والايمان بالمشروع
- إدخال التبرع المالي للمشروع فهو المحدد الرئيسي له أما مسألة التبرع بالكتب فسوف تتوقف ولو بعد حين
- المقر مهم جدا وبالتالي الالتجاء للسلط المحلية ضروري للحالة فلا شيء مجاني في هذه الدنيا
- سن قوانين صارمة و10 قراء جيدين خير من 100 مستهتر.
- وضع أهداف واقعية للمشروع وليس أحلاما فمثلا وفي حالتي وضعت كهدف: تكوين أكبر مكتبة بالجهة وتصميم موقع واب لها يكون مرجعا لكل المهتمين واكتشفت أني كنت أحلم حلما بليدا جدا للأسف.
- إذا وجدت في محيطك 100 مشجع ومهللا لك على فكرتك فيجب أن تعرف أن 10 فقط من ستدعمك فعلا وواحد فقط سوف يبقى للآخر وهذا الواحد هو أنت ولذلك حاول أن تكون الـ100 ألفا لتجد 10 باقين معك في نهاية الامر.
- حدد من الآن الاجابة عن أهم سؤال: وماذا بعد؟ اي نعم كونت المكتبة وفيها عشرات الكتب وفيها قراء كثر وبعد ... ماذا بعد؟ هذه الحالة ستبقى الى متى؟ وفي يد من؟ ولو اختفيت أنت ما العمل؟؟؟؟؟
- 10 أصدقاء يتبرع كل واحد منهم بدولار واحد شهريا أهم من تبرعات الكتب مهما كثرت أهمها أنك تحدد نوعية الكتب التي تقتنيها ولا تفرض عليك فرضا.

أخيرا لو كونت المكتبة أعلمني لأرسل لك كتابا أو كتابين يكونان صدقة جارية باذن الله وأرجو لك التوفيق في حلم رائع وجميل ... لو تحقق.




3 التعليقات:

Hala Gabr يقول...

كلامك قديبدو محبطا لكنه صحيح جدا , بالتأكيد النصائح مفيدة جدا جدا وسنعمل على تلافيها تمن لنا التوفيق

معمر يقول...

النصائح التي تطرحها مفيدة أخي مهدي، ولقد قفزت إلى ذهني أفكار جديدة بمجرد قراءة تدوينتك.
في الحقيقة، فكرة المكتبة التعاونية التي شجعت سامي على تنفيذها وأشجع نفسي والآخرين كذلك، نفذتها في مدينتي بداية الألفينيات بمساعدة صديق مقرب، وكانت الفكرة قائمة آنذاك على جمع كتب من الناس وتصنيفها في مكان واحد (اخترنا يومها المركز الثقافي)، ولله الحمد في فترة وجيزة وبتعاون الأصدقاء والمعارف تمكنا من جلب أكثر من 600 كتاب، وأكثر ما أعجبني في المبادرة هي مساهمة أفراد كنا نراهم بعيدين عن مجال الكتب وغير معنيين به.
كان اتفاقنا مع مدير المركز هو أن نوفر نحن الكتب والمركز يوفر المساحة والإدارة والإشراف، وكان ذلك، إلا أنه بعد شهور نقل المدير إلى إدارة مؤسسة أخرى، وللأسف الشديد اكتشفنا أن المدير الجديد متهاون في تسييره ولا يقدر الكتاب، بدليل أن أغلب الكتب فقدت وبعضها أتلف، مما ترك في نفسي أثرا سلبيا ومنعني من اكمال التجربة أوحتى اعادتها أو التفكير فيها.
مؤخرا وبعد نقاشي مع سامي حول المبادرة وجدت دافعا بداخلي يحثني لاعادة تنفيذ المشروع مع مراعاة السلبيات السابقة واعطائه اهتماما وامكانيات أكبر.

سامي الطحاوي يقول...

السلام عليكم
أشكرك بشدة على الأفكار، وضعت رابطاً لهذه التدوينة في تدوينتي لينتفع بها إن شاء الله من يود تنفيذ هذا المشروع.

إرسال تعليق